أنت هنا

تاريخ النشر: 
الأربعاء, مارس 4, 2020 - 13:32

التقادم والأوقاف الكنسيّة

ناصر شقور

مقدمة: التقادم والأوقاف رؤيا روحية:

إن التقادم والأوقاف ليست جديدة أو هامشية في المسيحيّة، إنما هي جزء أساسي للتبشير ودعم الجماعة المسيحية.

التقادم هي عادة أموال تقدَّم لخدمة الهيكل أي الكنيسة والخدام والمحتاجين، فيصرف رأس المال. أما الأوقاف فهي تقادم يهدف منها عدم مسَّها، بل الحفاظ على رأس المال (قطعة الأرض او البيت وما شابه)، وتستغل الأرباح التي تنتجها لخير الكنيسة وحاجاتها.

       لقد بدأت التقادم مع السيد المسيح نفسه، إذ نجد أن القديس لوقا يذكر نسوةً كُن يساعدن ويدعمن يسوع وجماعة الرسل ماديًّا. "وسارَ يَسوعُ ... في المُدنِ والقُرى، يَعِظُ ويُبَشِّرُ بِمَلكوتِ اللهِ. وكانَ يُرافِقُهُ التَّلاميذُ الاثنا عشَر، وبَعضُ النِّساءِ ...، وهُنَّ مَريَمُ المَعروفةُ بالمَجدَليَّةِ، ...، وحنّـةُ اَمرأةُ خوزي وكيلِ هِيرودُسَ، وسُوسنَّةُ، وغيرُهُنَّ كثيراتٌ مِمَّنْ كُنَّ يساعِدْنَهم بأموالِهِنَّ." (لوقا 8 1-3)، إن "خوزي" هو وزير المالية لدى هيرودس في صفورية. وقد نبّه يسوع في العظة على الجبل الى الروحانية التي يجب أن تتم فيها التقادم: " وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ" (متى 6: 3). ويحُث القديس بولس الرسول على تقديم التقادم قائلاً: " فعَلى كُلِّ واحدٍ أنْ يُعطِيَ ما نَوى في قَلبِهِ، لا آسِفًا ولا مُجبَرًا، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ مَنْ يُعطي بِسُرورٍ...   فَيُغنيكُم في كُلِّ شيءٍ، ليكونَ سَخاؤُكُم عَميمًا تَتَعالى مِنْ أجلِهِ إلى الله آياتُ الحَمدِ. فَقِيامُكُم بِهذِهِ الخِدمَةِ المُقَدَّسَةِ لا يَقتَصِرُ على سَدِّ حاجاتِ الإخوةِ القِدِّيسينَ، بَلْ يَفيضُ مِنهُ أيضًا حَمْدٌ جَزيلٌ للهِ."( 2 كو 9 :7, 11-12). وبالفعل لقد قام المسيحيون بتقديم التقادم كتعبير عن المحبة: " وكانَ المُؤمِنون كُلُّهُم مُتَّحِدينَ، يَجعَلونَ كُلَّ ما عِندَهُم مُشتَركًا بَينَهُم، يَبيعونَ أملاكَهُم وخَيراتِهِم ويَتقاسَمونَ ثَمَنها على قَدرِ حاجَةِ كُلِّ واحدٍ مِنهُم." ( أع 2: 44-45). ولم يكتفوا بالتقادم المالية بل بتقديم قطع الأرض والبيوت للكنيسة " وَلَمْ يَكُنْ فيهم مُحْتاجٌ، لأَنَّ جميعَ الذينَ كانوا يَمْلِكونَ حُقولاً أَوْ بُيوتًا، كانوا يَبيعونَها، ويَأْتونَ بأَثْمانِ المَبيعاتِ، ويُلْقونَها عِنْدَ أَقْدامِ الرُّسُل؛ وكانوا يُوزِّعُونَ [مِنْها] لِكُلِّ واحدٍ عَلى حَسَبِ احْتِياجِه."( أع 4: 34 -35).

  1. الأوقاف خلال التاريخ:

 استمر العمل الخيري بالتقادم والأوقاف خلال كل الأجيال: فمثلا عندما أمر الإمبراطور ثيوذوسيوس الكبير سنة 387 م ببناء كاتدرائية دمشق على اسم النبي السابق يوحنا المعمدان، وقف ثيوذوسيوس لها أوقافًا كثيرة، كانت تشكل ربع مساحة دمشق وقتئذ. كذلك كان الحال عندما أمر الإمبراطور يوستنيانوس الكبير ببناء دير سيدة صيدنايا، وخصصه للراهبات المتوحدات، فقد وقف للدير بستانًا فيه نبع ماء، إضافة الى أراضٍ كثيرة في المنطقة.

كما ولم يبخل أجدادنا في تقديم الأوقاف في القرى والمدن، وأصبحت الكنائس من أكبر الممتلكين للأرض في البلاد. يحتاج تفصيلها الى مقال خاص.

  1. الأوقاف حسب القانون الكنسي

إن القانون الكنسي يأخذ المبادئ اللاهوتية والرؤيا المسيحية، ويعبِّر عنها بصيغة قانونية للتطبيق العملي. لذا فإن القانون الكنسي المتعلق بالأوقاف، يعرِّف ما هو الوقف، ويوضح الآلية والشروط لإنشاء الوقف. كما ويتطرق الى كيفية إدارة الوقف. وبأية شروط يمكن بيع او استبدال الوقف. وفيما يلي بعض الاقتباسات من بعض هذه القوانين

 ( ملاحظة: المواد المذكورة أدناه لا يمكن الاعتماد عليها كمرجع قانوني كنسي، إنما اقتبست فقط  لتوضيح البعد القانوني للأوقاف)

  1. تعريف الوقف:

الأسم: يطلق اسم الوقف، بمعناه الواسع، على جميع المؤسسات الخيرية والاموال الزمنية الجارية على ملك الكنيسة وملك الاشخاص المعنويين التابعين لها، سواءً أكانت هذه الأموال مادية، من ثابت ومنقول أم غير مادية من منافع وحقوق مالية وما شابه. وقد خصصت منفعته منذ نشأته لعبادة الله ومساعدة خدام مذابحه او للقيام بأي عمل ديني آخر.

  1. لمن يجوز الوقف؟

يجوز الوقف على الكرسي الرسولي المقدس وعلى البطريركيات والأبرشيات والكنائس والخورنيات والرهبانيات والجمعيات الخيرية والمدارس والاديار وسائر الاشخاص المعنويين في الكنيسة، لكل غاية دينية أو وجه من وجوه البر.

ج. كيف ينشاء الوقف؟

- يحق لكل انسان أيا كان جنسه أو حالته، أن ينشئ وقفًا دينيًا:

- يشترط في الواقف أن يكون أهلاً للتبرع أي كبيرًا عاقلاً، حرًا مالكًا للعين الموقوفة.

- يشترط في المال الموقوف أن يكون معلومًا وقت الوقف ومُلكًا باتا للواقف غير محجوز عليه ولا مرهون.

  • ينشأ الوقف لدى السلطة الكنسية المختصة في طائفة الجهة الموقوف عليها وفي هذه الحالة يسجل الاشهاد أو صك الوقف لدى المحكمة الكنسية التابع لها مكان الوقف او الواقف
  • بعد صدور قرار المحكمة الكنسية بصحة الوقف ووجوب تنفيذه يتأكد لزوم الوقف وزوال ملكية الواقف عنه، ولا يعود يصح له الرجوع عنه.

د. كيف تتم إدارة الأوقاف؟

تتم إدارة الوقف بالمحافظة على أعيانه واستغلال مستغلاته ورعاية مصالحه ومصالح الجهة الموقوف عليها وبتنفيذ شروط الواقف المشروعة. وتتحقق هذه الأغراض بالولاية. هنالك نوعان من الولاية للأوقاف: ولي عام ومتولي خاص.

الولي العام:

- ولي الأوقاف العام الأعلى في الكنيسة بأسرها هو الحبر الروماني الأعظم.

- البطريرك في كل طائفة هو الولي العام على أوقاف طائفية وأموالها الكنسية في جميع انحاء البطريركية.

- الأسقف هو أيضًا ولي عام على أوقاف طائفته وأموالها الكنسية ضمن حدود أبرشيته.

 - الرئيس العام في الرهبانية هو الولي العام على أوقاف رهبانيته وممتلكاتها وأديارها وأموالها.

- يُمارس الأولياء العامون صلاحياتهم وفقًا لأحكام القوانين الكنسية، إما بأنفسهم أو بتعيين متولي خاص.

-على الولي العام أن يُدقق في الحسابات ويكشف على الأملاك والوثائق والأسماء.

المتولي الخاص:

هو مَن يقوم بإدارة الوقف عمليًا، ويعتبر المتولي الخاص أمينا على مال الوقف. على المتولي الخاص أن يتقيد بالقوانين وبالنظم المختصة بالأوقاف. وهو مسؤول عن تقصيره الكبير نحو عقارات الوقف وغلاته.

ليس للمتولي الخاص أن يبيع أو يرهن أو يستبدل شيئًا من أملاك الوقف الثابتة أو المنقولة الثمينة ولا أن يدين مال الوقف أو يستدين على اسمه مبلغًا بدون مسوغ شرعي وإجازة الولي العام.

ه. هل يجوز استبدال الوقف او تعديله؟

- للمتولي على الوقف وبموافقة الولي العام, أن يستبدل وقفه بما هو أصلح، وأن يحوِّله إلى جهة بر أخرى.

- إذا كان الواقف قد مات واشترط في صك الوقف عدم استبدال الوقف أو تحويله فلا يحق للولي العام مخالفة إرادة الواقف فيما اشترط، إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة أو فائدة أوفر.

 -  العين المستبدلة بعين الوقف تصبح وقفًا مثله وبشروطه دون حاجة الى تجديد وقف أو إلى أشهاد جديد.

- في حال استبدال الوقف وتحويله يجب التقيد بأحكام القوانين المختصة بتمليك الأموال الكنسية.

  1. الأوقاف في الفترة العثمانية - الخط الهمايوني:

في شباط 1856، وبعد أن ساعدت إنجلترا وفرنسا السلطان عبد المجيد سلطان الدولة العثمانية في حربه على روسيا، قرر عمل مجموعة إصلاحات سميت بـ «الخط الهمايوني»، من بنوده:

  • للمسيحيين، بواسطة رؤسائهم الروحيين ومجالس الموجودات لديهم، أن يديروا بملء الحرية الأملاك الموقوفة المختصة بطوائفهم، بدون أن يراجعوا بهذا الخصوص السلطات المدنية النظامية.

- السلطان شخصيًا وفقط له الحق في ترخيص بناء وترميم الكنائس والمقابر الخاصة لغير المسلمين.

- إعفاء الكنائس من الضرائب أو المصروفات

- تشكيل مجلس مكون من رجال الكنيسة (كهنة أو رهبان) ورجال من خارج الكنيسة (مسيحيين غير الرهبان والكهنة) لإدارة شؤون الملة، والمعروف باسم المجلس الملي العام.

  كما وإن الفرمانات السلطانية، التي منحت حق التولية لبطاركة الطوائف المسيحية المقيمة في السلطنة العثمانية، فقد نصت:” بأن الطوائف ذاتها تفصل في المسائل المتعلقة بالوقف دون أن يتدخل أحد في تدبير شؤون عقارات الطائفة."

بموجب هذه النصوص، كان للرؤساء الروحيين حق تعيين المتولين على الوقف، واستمر الوضع بالنسبة لاستقلالية إدارة الأوقاف في فترة الانتداب حتى الفترة الحالية.

  1. أمثلة على استبدال أو بيع الأوقاف:

إن الأوقاف عادة لا تبدل ولا تباع، ولكن هنالك أمثلة في تاريخ الكنيسة تم فيها بيع الأوقاف لأسباب صوابيه لخير المؤمنين. وهنالك حالات تم فيها بيع الأوقاف نتيجة سوء إدارة أو لمصالح شخصية. لمنع الحالات الأخيرة في الكنائس الكاثوليكية، وبما أن المرجعية العليا أي "الولي العام الأعلى" هو قداسة البابا، فقد اشترط أن لا تتم صفقة بيع للأوقاف إلا بموافقة الكرسي الرسولي مباشرة. لذلك يجب أن يكتب في كل عقد بيع بندًا يوضح أن العقد لاغ حتى تتم موافقة الكرسي الرسولي. وعليه فقد أُلغيت عدة عقود بيع، واسترجعت أوقاف قد بيعت.

 

  1. القديس يوحنا الرحيم بطريرك الاسكندرية: لقد باع معظم الأوقاف حتى رخام الكنيسة، وحتى إنه باع نفسه عبدًا، وذلك لمساعدة المسيحيين في الأراضي المقدسة، بعد الاجتياح والتدمير والمذابح التي قام بها الفرس ومساعديهم سنة 614م.
  2. مأساة سفر برلك والبطريرك الانطاكي الاورثوذكسي غريغوريوس حداد:

في فترة سفر برلك 1914، انتشرت المجاعة في بلاد الشام، فتوافد عشرات الألوف من اللبنانيين الجائعين الى دمشق، وقد قضى الألوف من لبنانيين وسوريين جوعًا على أرصفة الشوارع. فقام البطريرك غريغوريوس بتسوق الحبوب بأغلى الأثمان وطحنها وخبزها ووزعها على المحتاجين، فوقعت البطريركية تحت عجز كبير فاق 25 ألف ذهبية. فاضطر البطريرك الى رهن الأوقاف وتجهيزات الكنائس الفضية والذهبية. حتى إن البطريرك باع صليبه الماسي لينفق ثمنه على إطعام الناس، واستبدله بصليب مقلد بأحجار زجاجية.

ج. المثل الثالث، ما يجري في الفترة الأخيرة من بيع للأوقاف: من هذه الأخبار الأخيرة بيع الكثير من الوقف الأورشليمي الأرثوذكسي في القدس لجماعات يهودية متطرفة، استعملت الطرق غير المشروعة لتنفيذ الصفقات مثل الرشوة، ودفع أثمان باهظة وإغراءات جنسية، وحتى التهديد وابتزاز من ابتدأ في المساعدة في السمسرة أو في تنفيذ بيع الأوقاف.

  1. الخلاصة:

الأوقاف هي وسيلة استعملها المسيحيون خلال الأجيال للمساهمة الطويلة الأمد لدعم العمل الرسولي والرعوي للكنيسة ولخير المؤمنين. فيتم استغلال أرباح الوقف للمهام الكنسية، في حين أن الوقف يبقى ثابتًا من جيل الى جيل.

 قد يحدث سوء في إدارة الأوقاف، مثل "الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَةَ فَمَضَى وَحَفَرَ فِي الأَرْضِ وَأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ" (متى 25: 18) ، أي يتهاون في إدارة الوقف أو يقوم ببيع الأوقاف. هنا يجب أن لا يتم التهجم على الإكليرس ومنشأهم وأهلهم، والتشهير بهم في وسائل التواصل الاجتماعي. بل يجب إتباع قول ربنا يسوع المسيح، إذا كان لك أمر على أخيك فاذهب الى أخيك وواجهه، واذا لم يرد فاذهب الى البيعة... وللتطبيق العملي فالقانون الكنسي قد وضع آلية لمواجهة هذه الأمور، فإذا كان سوء في الإدارة عند الكاهن فتوجه اليه. إذا لم يحصل أمر إيجابي توجّه الى القيِّم العام. وإذا لم تحصل على النتيجة المرضية أو المشكلة معه، يمكن التوجه للأسقف. وإذا لم تحصل على النتيجة المرضية أو المشكلة مع الأسقف يمكن التوجه للبطريرك، ومن ثم الى قداسة البابا والكرسي الرسولي. ولنتذكر أننا لسنا أصحاب الكرم، إنما نحن كلنا عمّال في حقل الرب، ولنصلِّ ليرسل كرّامين صالحين إلى كرمه.

هنالك أيضًا الكثير ممن يدير الأوقاف كالذين أعطاهم سيدهم وزنتين وخمس وزنات، فأحسنوا الإدارة أي استعملوا الأوقاف لخير الكنيسة واستحقوا قول السيد " كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ" (متى 25 :21). أحيانًا قد يستبدلون الأوقاف أو حتى يبيعونها وذلك حسب الحاجة والرؤيا البعيدة الأمد، متبعين التوجُّه " السبت جُعِلَ لأجلِ الإنسان، لا الإنسانُ لأجلِ السبت" ( مرقس 2 : 27)

اليوم هنالك حاجة ماسة للشفافية خاصة في إدارة الأموال والأوقاف الكنسية، حسب الدعوة التي أطلقها قداسة البابا فرنسيس في الكنيسة الكاثوليكية، بضرورة “مأسسة الكنيسة في بناها الإدارية والتنظيمية وهيئاتها وجمعياتها، ولم يعد مقبولاً ترك الأمور دون أي تخطيط ورؤية مستقبلية.” فتكون العلاقة بين الكهنوت الملوكي والكهنوت الخاص، لخير الكنيسة.