أنت هنا

 

 

زمن "البندكستاري"... زمن "خمسينيّ" بطَعم الإنتصار على الموت

 

 

 بقلم: توفيق ناصر (خريستوفيلوس)

 

ملاحظة: إيقونة "القيامة" أدناه هي جامعة لكل أحداث "ما بعد القيامة" في الأناجيل.

 

 

أولاً – مُقدّمة تمهيديّة:

بحلول "أحد قيامة ربنا يسوع المسيح" من بين الأموات، يكون زمن "التريوذي" قد إنتهى، وبدأ بعده زمن روحيّ وليترجيّ آخر في حياة الكنيسة، هو الزمن "الخمسينيّ" أو "البندكستاري" باليونانيّة. وإن كان "التريوذي" قد هيأنا بشَوق على مدى عشرة أسابيع للوصول إلى فرح الإحتفال بعيد قيامة المسيح، "عيد الأعياد وموسم المواسم"، فها إن "البندكستاري" هو وُلوجٌ في هذا الفرح الكبير وتنعّمٌ به، هذا الفرح الآتي من "النور الذي لا يغرُب" (كما نُرنّم عند بدء رتبة "الهجمة")، ومن القبر الذي تحوّل إلى ينبوع حياة... بكلمة، إن هدف الزمن الأول هو الوصول إلى الزمن الثاني... فقيامة السيّد له المجد هي محور إيماننا المسيحيّ وكل حياتنا المسيحيّة، إذ إنه بموته وبقيامته، غلب الموت ومفاعيل خطيئتنا، و"منحنا الحياة الأبديّة وعظيم الرحمة" (سَحَر القيامة). بهذه الروحيّة، نبدأ جولتنا لنتعرّف عن كثب إلى زمن "البندكستاري"...

********************************

ثانياً – تعريف زمن "البندكستاري":

إذاً، في السنة الطقسيّة وفي الليترجيا البيزنطيّتين، يأتي "أحد قيامة الربّ يسوع" ليفتتح زمناً يُدعى بال"خمسينيّ"، وهو كما يُشير إسمه، يمتدّ على مدى خمسين يوم، وبشكل دقيق من "أحد القيامة المجيدة" إلى "أحد العنصرة المُقدّسة"، أي سبعة أسابيع. لكنه فعليّاً يشمل أيضاً أسبوعاً ثامناً مع "أحد تذكار جميع القديسين"، ثم أضافت الكنيسة الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة حوالي أسبوعَين، لإدخالها عيد "الجسد الإلهيّ" في الروزنامة الطقسيّة، فينتهي بذلك الزمن "الخمسينيّ" مع وداع عيد "الجسد الإلهيّ"، وتكون مدته الفعليّة زهاء عشرة أسابيع (على مثال سلفه "التريوذي").

إن ما يُميّز زمن "البندكستاري" هو أن عيد "قيامة الربّ من بين الأموات"، يطغى بأجوائه على كل شيء، فطَعم الفرح بالقيامة موجود في النفوس وفي النصوص. ونظلّ نترنّم بأناشيد القيامة (وخصوصاً "طروباريّة القيامة")، وتبقى تحيّة ومُعايدة "المسيح قام... حقاً قام" طيلة أربعين يوماً، أي حتى عيد "صعود الربّ بالمجد إلى السماء"، وعودته "إلى المجد الذي كان له من قبل إنشاء العالم". ثم تأتي "العنصرة المُقدّسة"، التي فيها أرسل روحه القدّوس كما سبق فوعد تلاميذه، وهي أحدى أهمّ مفاعيل قيامته المجيدة. لذلك، فإن هذا الزمن "الخمسينيّ" يبدو وكأنه يوم واحد طويل من الإحتفالات ب"العيد الكبير".

أيضاً ما يُميّز "البندكستاري"، أن يوم الأحد يكون هو "اليوم الأول من الأسبوع" في الفترة ما بين "أحد القيامة" و"أحد العنصرة"، لأن "أحد القيامة" هو يوم "بدء جديد" أو "خلق جديد" ("في البدء خَلَقَ الله" تُقابلها "في البدء كان الكلمة"). فيما يعود يوم الأحد "اليوم الأخير من الأسبوع"، بدءاً من "أحد العنصرة" إلى "أحد القيامة" من السنة المُقبلة. وغنيٌ عن القول، أنه كما لزمن "التريوذي" صلواته الخاصّة مُنسّقةً ومجموعةً في كتاب "التريوذيون"، كذلك الحال بالنسبة لزمن "البندكستاري" الذي له مجموعة صلواته الخاصّة في كتاب "البندكستاريون" (دون الدخول في تفاصيله الطقسيّة في هذه المقالة).

********************************

ثالثاً – محطّات زمن "البندكستاري":

كما رتّبت الكنيسة المقدّسة محطات زمن "التريوذي" لتهيأة المؤمنين ل"رؤية" قيامة المسيح، كذلك رتّبت محطات زمن "البندكستاري" للتأمل بسرّ ألوهة السيّد له المجد، التي تجلّت بأبهى صورة بحدث "قيامته من بين الأموات" بسلطانه الخاص، وما تلاها من "ظهورات" له على مدى الأربعين يوماً، وصولاً إلى إرساله الروح القدس "المُعزّي" وإنطلاق الكنيسة... نقرأ على مدى هذا الزمن (ما عدا بضعة أيام)، الإنجيل بحسب يوحنا الرسول الملقّب ب"اللاهوتيّ"، لأن هذا الإنجيل كُتب بهدف لاهوتيّ محض، ألا وهو إظهار ألوهة "الكلمة المتجسّد" وتدبيره الخلاصيّ في هذا العالم من خلال مسيرة كرازته وأعماله. وهو ما يتجلّى منذ البداية من خلال مقدّمة الإنجيل التي تُقرأ في أحد القيامة "في البدء كان الكلمة..."، ونرى صدى لذلك أيضاً في رسالة يوحنا الأولى... والآن، هيّا بنا نقوم بجولة نتعرّف بها على أهمّ المحطات في مسيرة زمن "البندكستاري":

* "أحد قيامة المسيح" (الأول من الزمن "الخمسينيّ"):

هو "اليوم الذي صنعه الربّ"، "عيد الأعياد وموسم المواسم"، الذي فيه نعيش فرح إنتصار الربّ على الموت، وبه أصبحنا "نترجّى قيامة الموتى، والحياة في الدهر الآتي" (قانون الإيمان). فإنه "لو لم يقمِ المسيح، لكان تبشيرنا باطلاً، ولكان إيمانكم باطلاً، ولكنّا أشقى الناس أجمعين" (1كور 15: 14-19). هذا اليوم هو "بدء جديد"، لذلك نقرأ فيه المقدّمة الشهيرة لإنجيل يوحنا "في البدء كان الكلمة..." (يو 1: 1-17)، وهذا "البدء الجديد" يتجلّى في "الخلق الجديد"، "آدم الجديد"، "الإنسان الملكوتيّ الجديد" (كل مؤمن مُعمّد). وهو أيضاً تتميم لكل ما كُتِب عن الربّ في "موسى والأنبياء"، كما سيقول لتلميذَي "عمّاوس" في مساء ذلك اليوم نفسه (لو 24: 13-35) وهو كذلك تحقيق "لآية يونان" (كما كان جوابه للذين جاؤوا يطلبون إليه آية)، و"ههنا أعظم من يونان" (متى 12: 41).

* "الأسبوع الجديد" (أو "أسبوع التجديدات"):

على سبيل التشبيه، كما أن "الأسبوع العظيم المُقدّس" هو ذروة "التريوذي" والفترة الأكثر قُدسيّة فيه، كذلك "أسبوع التجديدات" هو إمتداد ليوم "أحد القيامة" والفترة الأكثر قُدسيّة وفرحاً وحبوراً فيه... فالخليقة كلّها تجدّدت بقيامة المسيح، الذي أعادها إلى "بهاء الصورة الأولى". ويصل صدى "التجديد" إلى سفر "الرؤيا"، حين يقول "ها أنا أجعل كل شيء جديداً" (رؤ 21: 5). تجدر الإشارة إلى أن الموعوظين، الذين كانوا قد نالوا "سرّ العماد" في ليلة "القيامة"، يظلّون بلباسهم الأبيض طيلة هذا الأسبوع، دلالةً على "الحياة الجديدة بالمسيح".

* "أحد القديس توما الرسول" (الثاني من الزمن "الخمسينيّ"):

وفيه نقرأ الرواية الشهيرة للظهور الثاني للسيّد القائم وسط تلاميذه، بعد ثمانية أيام على ظهوره الأول، وبحضور توما هذه المرّة (يو 20: 19-31). وعبرة هذا الأحد هي فعل الإيمان الكبير الذي أظهره توما من خلال هتافه "ربّي وإلهي"، بعد الشكّ الناجم عن "صدمة صلب وموت المُعلّم". وهنا لا نقول أبداً إن باقي التلاميذ كانوا أفضل من توما، فهم أيضاً لم يُصدّقوا مريم المجدليّة، ولا "التلميذَين منهم" حين جاؤوا بخبر ظهور الربّ يسوع لهم، كما في (مرقس 16: 9-13). لكن لقاء الربّ بتوما حدث لكي يكون عبرةً لنا ولكل الأجيال (التي لم ترَ حدث "القيامة" ولا "القائم من الموت" بشكل حسّي)، بأن الإيمان هو أولاً وأخيراً فعل يتخطّى الحواسّ الأرضيّة "الترابيّة"، وهو ثمرة إختبار "حيّ" لشخص حيّ هو "الربّ القائم من بين الأموات". لذلك، فإن توما هو صورة لكل واحد منا حين يُشكّك، وهو مثال لنا أيضاً في إعترافه بألوهيّة الربّ بعد مرحلة الشكّ.

* "أحد حاملات الطيب" (الثالث من الزمن "الخمسينيّ"):

في هذا الأحد، نُقيم تذكار النسوة "حاملات الطيب"، وكذلك أيضاً يوسف "الراميّ" ونيقوديموس، الذين تعاونوا على إنزال جسد الربّ عن الصليب، وحنّطوه بالطيوب ولفّوه بالأكفان وأودعوه "قبراً جديداً"، بالقرب من مكان الصلب (مر 15: 43 إلى 16: 8). هُم مثال الأمانة والمحبّة العابرة للصليب وللموت، وسط الجنون الدمويّ الذي يسود عالمنا، وفي وقت هرب التلاميذ كلّهم (إلا يوحنا الذي وقف عند أقدام الصليب) وإختفوا من الساحة. وهُم أيضاً مثال في الخدمة المتفانية، فإن بعض النسوة "كنّ يتبعنَه ويخدمنَه"...

* "أحد المُخلّع" (الرابع من الزمن "الخمسينيّ"):

إنجيل هذا الأحد يروي لنا آية شفاء إنسان "مُخلّع" منذ ثمانية وثلاثين عاماً، متروك ولا يلقى دعماً من أحد (يو 5: 1-15). فيأتي يسوع ويطرح عليه السؤال الغريب "أتريد أن تبرأ؟"... وبعد شفائه، تُطرح جدليّة السبت بين اليهود و"المُخلّع سابقاً"... ويعود يسوع ليجد الرجل في الهيكل، فيُحذّره من الوقوع في الأسوأ... العبرة هنا هي أنّ النعمة التي نالها المُخلّع وقد جدّدت جسده، إنّما تدعوه إلى الإهتداء بكلّيّته إلى الله. وإذا تجاهل ذلك، يُصاب بأكثر من علّته السابقة، إذ يُعَرّض نفسه للموت الروحيّ.

* "أحد المرأة السامريّة" (الخامس من الزمن "الخمسينيّ"):

رواية شهيرة عن لقاء تمّ بين الربّ يسوع وإمرأة سامريّة عند "بئر يعقوب" (يو 4: 5-42). وفيها يروي لنا يوحنا الإنجيليّ تعليماً للربّ عن "ماء الحياة" وعن ينبوع الماء الحيّ. كما يروي لنا أيضاً كيف سار الربّ بتدرّج مع المرأة السامريّة، ليوصِلها إلى الإيمان به. فمن الماء الماديّ، صعد بها إلى "الماء الحيّ"، فطلبت إليه من هذا الماء. ثم بعد برهة، رأت أنه نبيّ، أي إرتفعت بإيمانها قليلاً. ثم بعد قليل أيضاً، أقرّت بأن "الماسيّا حين يأتي، يُخبرهم بكل شيء"... رأى يسوع حينئذ أنها أصبحت مُستعدّة لتقبّل هويّته، فأعلن لها صراحة عن ذلك. فذهبَت وأتت بأبناء بلدتها، في حركة تُذكّرنا بفيلبّس الذي دعا صديقه نثنائيل إلى إختبار اللقاء ب"الماسيّا"... هذه المرأة هي صورة لكل من يتعرّف إلى السيّد، فيُصبِح رسولاً له ويدعو مَن حوله قائلاً "لقد وجدنا الماسيّا".

* "أحد الأعمى" (السادس من الزمن "الخمسينيّ"):

مقطع طويل من إنجيل يوحنا، يروي لنا آية شفاء إنسان أعمى منذ مولده على يد الربّ يسوع (يو 9: 1-38). وبيت القصيد فيه أن يسوع "هو نور العالم"، ونستشفّ من الجدل الذي وقع بين "الأعمى سابقاً" والفرّيسيّين، أن "الدينونة هي فعلاً أن النور قد أتى إلى العالم، وفضّل الناس الظلمة على النور، لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو 3: 19)، كون الفرّيسيّين رفضوا يسوع ورسالته الخلاصيّة. والمُلفِت أيضاً أن الأعمى قد تَنوّرَ أكثر من أولئك، إذ أدرك أن يسوع "جاء من لدن الله، وإلا لما إستطاع فعل ما فعله".

* "خميس صعود الربّ إلى السماء":

هو تذكار إنتصار الربّ وعودته بالجسد إلى السماء، "إلى المجد الذي كان له من قبل إنشاء العالم"، حيث "جلس عن يمين الآب" (كما نقول في قانون الإيمان النيقاويّ). وهو خاتمة مدة الأربعين يوماً، التي فيها كان يُظهر نفسه لتلاميذه "بأشكال عدّة" ويُكلّمهم عمّا يخصّ الملكوت... وقبل صعوده، أرسلهم إلى أصقاع الأرض لإعلان البشارة إلى الخلق أجمعين، وتعليمهم كل ما أوصاهم به، ووعدهم بأن يكون معهم حتى منتهى الدهر، طالباً إليهم "إنتظار موعد الآب الذي سمعوه منه". ونقرأ رواية الصعود في كتابَي لوقا البشير، (لو 24: 36-53) و(أع 1: 1-12).

* "أحد الآباء القديسين" (السابع من الزمن "الخمسينيّ"):

تُقيم الكنيسة في هذا الأحد تذكار الآباء القديسين الثلاث مئة والثمانية عشر، الذين إلتأموا في "المجمع المسكونيّ الأولّ" المنعقِد في مدينة نيقية سنة 325، ضد آريوس (والبدعة الآريوسيّة)، الذي أنكر لاهوت "الكلمة المتجسّد". فأكّدوا في مجمعهم أن الفادي الذي صعد إلى السماء، في ختام رسالته على الأرض، إنّما هو "الكلمة" الواحد مع الآب في جوهر الطبيعة الإلهيّة، والمُتّخذ طبيعتنا البشريّة، ليكون لها الفداء والطريق إلى الآب. وكان لنا من هؤلاء الآباء، ما هو معروف ب"قانون الإيمان النيقاويّ". نقرأ في هذا الأحد الإنجيل بحسب يوحنا (يو 17: 1-13).

* "أحد العنصرة المجيد المُقدّس" (الثامن من الزمن "الخمسينيّ"):

في هذا الأحد العظيم والمُقدّس، نُعيّد لتذكار "حلول الروح القدس على الرسل" وهُم مُجتمِعون في العليّة مع مريم العذراء وسائر التلاميذ، "منتظِرين موعد الآب". ونجد رواية هذا الحدث العظيم في كتاب لوقا الثاني (أع 2: 1-11). أما إنجيل هذا الأحد، فنقرأ من الإنجيل "اليوحنّويّ"، "عظة يسوع عن الماء الحيّ ونور العالم" (يو 7: 37-52 و8: 12). ومن وقتها، تأسّست الكنيسة وإنطلقت معها بُشرى الخلاص التي أوكلها إليها مُعلّمها وربّها، تحت رعاية الروح القدس "المُعزّي"، الذي سيُذكّرهم بكل ما قاله الربّ يسوع لهم. وإن تذكّرنا كلام الربّ جيّداً، فهو قد قال لتلاميذه "إنه خير لكم أن أنطلق (إلى الآب)، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزّي، ولكن إن ذهبتُ أرسله إليكم" (يو 16: 7). إذاً، إعلان بشارة الربّ يسوع عبر العالم وإستمرار "حضور الله وسط شعبه"، سوف يتحقّقان برعاية "الأقنوم الإلهيّ الثالث". إن دور الروح القدس كان ظاهراً بشكل دائم، منذ الخلق (روح الله يرفّ على المياه) وحتى الأيام الأخيرة (أي ملء الزمان وتجسّد "الكلمة"). فكان دوره أساسيّاً في تجسّد الإبن (تجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء)، ونزل عليه في إعتماده في نهر الأردن على شكل حمامة، وقاده إلى البريّة ليُجَرّب... وقد قال لنا الربّ يسوع (حين لقائه بالسامريّة)، إنه يجب علينا من اليوم فصاعداً "أن نعبد الله بالروح والحقّ". بعد قيامته، نلتقي "الربّ القائم من بين الأموات" من خلال الروح القدس، الذي هو روح وحياة الكنيسة. والروح القدس مانح المواهب الغزيرة، وهو عماد الأسرار الكنسيّة كلّها. فنناله في المعموديّة وفي الميرون خصوصاً (ختم موهبة الروح القدس)، وهو الذي يُحَوّل الخبز والخمر إلى جسد ودم الربّ يسوع المُمجّدَين في سرّ الشكر (الإفخارستيّا)، وفي سرّ الخدمة (الكهنوت) "نعمة الروح القدس التي تُكمّل الناقصين..."، وصولاً إلى باقي الأسرار (الزواج، التوبة، زيت مسحة المرضى).

ويخطر على بالي قول للقديس سيرافيم "الساروفسكي": "إن هدف الحياة المسيحيّة هو إقتناء الروح القدس". فما أعظمه من هدف !

* "أحد جميع القديسين" (الأول بعد "العنصرة"):

في هذا الأحد، تُقيم الكنيسة تذكاراً لجميع القديسين. فالقداسة هي إقتداء بالمسيح وتحقيق الحياة الإلهيّة فينا، أي حياة البنوّة لله، ثمرة الفداء. وجوهرها كمال المحبّة، وهي عمل الروح القدس في النفس ذات الإرادة الصالحة... لذلك، وضعت الكنيسة هذا التذكار في الأحد التالي ل"أحد العنصرة"، لأن القداسة في الإنسان، إبن الله بالنعمة (لا بالجوهر)، هي غاية التدبير الإلهيّ، الذي عِشنا أهمّ محطّاته على مدى هذا الزمن "الخمسينيّ". وإنجيل هذا اليوم مأخوذ من متى (متى 10: 32-38 و19: 27-30)... خاتمين كلامنا بالقول "إن القديس هو مَن أصبح الله كل شيء في حياته".

********************************

رابعاً – خُلاصة ختاميّة:

بعد قيامة المسيح، لم تعد حياتنا كما كانت، جافةً بائسةً يائسةً، بل أصبح لها طعم الرجاء، لأن "هذا هو اليوم الذي صنعه الربّ"، لذا وَجُب علينا أن نفرح ونتهلّل به. بعد قيامة المسيح، لم يعد الصليب لعنةً وعقاباً، بل أصبح "قوة الله" ومعبراً إلى الحياة الأبديّة. لم يعد الموت (الجسديّ) نهاية كل شيء، بل أضحى "رُقاداً" بإنتظار "الحصاد الإسخاتولوجيّ". فإن قيامة المسيح هي عربون قيامتنا نحن، وقد أخذنا هذا العربون، حين "متنا مع المسيح وقمنا معه" في معموديّتنا، لإننا "إذ قد إعتمدنا بالمسيح، فقد لبسنا المسيح". بذلك، أصبحنا "على صورته ومثاله"، هو الإبن المُتجسّد الذي أعادنا بطاعته عبر موته وقيامته، إلى بهاء "الصورة الفردوسيّة الأولى". وبدأنا مسيرة "الحياة الجديدة"، التي ستكتمل في "العرس الكبير، عرس ملكوت السماوات".

"المسيح قام... حقاً قام"

ملاحظة: إيقونة "القيامة" أدناه هي جامعة لكل أحداث "ما بعد القيامة" في الأناجيل.